كارستن نيبور
37
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
ونعلم من الروايات التي وصلتنا بوجود مسلّة ضخمة وأفعى ثلاثية مشوّهة في الميدان قرب مسجد السلطان أحمد ، كما وردت في الكتب الرسوم المنقوشة على قاعدة المسلة ، فضلا عن الكتابات اليونانية الممحوة جزئيا لأنها مغطاة بالتراب . لكننا لا نجد نسخة عن الحروف الهيروغليفية ، ولعل السبب يعود إلى أن أحدا لم يجرؤ على نقلها في ساحة عامة وسط المدينة وقرب السراي . وأعترف أني خلال إقامتي الأولى في القسطنطينية ، لم أجرؤ على تفحص هذا النصب التاريخي ، بسبب الأخبار التي سمعتها عن المسلمين ، لكن في طريق العودة ، نقلت الحروف الهيروغليفية المنقوشة على المسلة كلها ( اللوحة الرابعة ) من دون أن أخشى أكثر من 150 تركيا تجمعوا حولي لمشاهدة عملي . وتكفي الإشارة في خارطة القسطنطينية إلى موقع الصرح الذي تحفظ فيه الحيوانات البرية ، وإلى الميدان ، وقصر قسطنطين ، والعمود المحروق وساحات أخرى استفاض الآخرون في وصفها . ونجد في القسطنطينية منازل فسيحة تحت الأرض أو أقبية تسندها أعمدة عدة يطلق عليها اسم « ألف عمود وعمود » ، ويعيش الحائكون في هذه الأقبية التي تبدو وكأنها كانت فيما مضى خزانات مياه . وشاهدت في أحد الأقاليم 32 عمودا من الرخام على الطراز الكورنثي ، كما رأيت في إقليم آخر عددا من الأعمدة العالية غير المتناسقة أشك في أن تكون من صنع مهندس معماري يوناني ، أو من عمل الأتراك ، وقد رسمتها على اللوحة الخامسة ، أ . ونجد في جوارها بابا مسدودا ، ويؤكد البعض أنه يمكن الانتقال منها إلى غاليبولي عبر ممر تحت الأرض ، وهذا ما أعتبره تضخيما لكل ما يتعلق بالعصور القديمة . ويحيط بمدينة غلطه سور ، لكن نرى فيها آثار حائطين قديمين ومتينين ، يقسمانها إلى ثلاثة أحياء أو إلى ثلاثة حصون خاصة . وتستند هذه المدينة إلى مرتفع وعر ، قبالة القسطنطينية وهي مكتظة بالسكان ، ويعيش فيها معظم التجار الأوروبيين والمسيحيين الشرقيين . ويقيم السفراء الأوروبيون في بيرا وهي ضاحية من ضواحي غلطه ، ومنهم سفير بلاط فرنسا وسفير بلاط إنكلترا ، وسفير جمهورية الأقاليم المتحدة فضلا عن بايلو البندقية ( Bailo ) « 1 » ، وسفراء الدانمارك ، والسويد ، ونابولي وبروسيا والقاصد الرسولي ، وسفير روسيا المقيم . ولقد قدّم أول سفير بروسيا أوراق اعتماده إلى السلطان في العام 1761 قبيل وصولنا ويقيم مندوبو الجزائر وتونس وطرابلس وراغوز ( Raguse ) في القسطنطينية وإنما ليس بشكل مستديم ، ولا يعتبرهم الأتراك سفراء أجانب شأنهم في ذلك شأن مفوضي أمراء مولدافيا اليونانيين ووالاشيا . ويرسو أسطول السلطان في ترس خانه ( Ters Ch na ) ( قرب الترسانة ) ، في خط مستقيم قرب الشاطئ ، وهو في حالة مزرية بالرغم من أن المراكب مطلية بشكل جميل ، ونجد في طوب خانه ، مبنى كبيرا تصنع فيه المدافع ، يجاوره مسجد رائع . إن عدد السكان في أيوب ، وقاره أغاش ، وغاسكوف ، وقاسم باشا ، وبيرا ، وسان ديمتري ، وطوب خانه ، وفندقلي ، وقبداش قليل للغاية .
--> ( 1 ) يطلق شعب البندقية اسم بايلو على سفيرهم في القسطنطينية ، وشاء القناصلة الأوروبيون في الشرق أن يعتبروا سفراء فاتخذوا لنفسهم اللقب نفسه ، لأن العرب ( على الأقل سكان البصرة ) يطلقون اسم بايلو على القناصلة حتى اليوم .